هشام آدم يكتب: محددات الحرية


يبدو أنَّ كثيرًا منَّا (بصرف النظر عن ثقافته، ودرجته العلميَّة، ووظيفته) غير قادرٍ -فعلًا- على فهم معنى الحريَّة، على النحو الصحيح، ويعتقد أنَّ كل من يختلف معه في فهم الحريَّة -كما يراها، وكما يعتقدها- هو شخصٌ يدعو للفوضى، ويُسيء إلى معنى الحريَّة. في هذا المنشور؛ سأُحاول مُناقشة موضوع الحريَّة، ومُحدداتها، علَّنا نفهم الحريَّة أولًا قبل ممارستها، وقبل انتقاد فهم الآخرين لها.
----------------------
مبدئيًا؛ الحريَّة حقٌ من الحقوق الأصيلة للإنسان (سواءٌ كان فردُا أو مجموعة)، وهذا يعني أنَّه لا يحق لأحدٍ أبدًا الاعتداء على هذا الحق، وقهره أو قمعه أو حتَّى منحه؛ فالحقوق لا تُمنح، لأنَّها ليست هبةً من أحد، يتفضَّل بها على الآخرين؛ بل الحريَّات حقٌ أصيلٌ مكتسبٌ لكل إنسانٍ، بصرف النظر عن جنسه أو جنسيته أو عرقه أو لونه أو دينه.
----------------------
القاعدة الذهبيَّة في ممارسة الحريَّة، هي ألَّا تتعدَّى على حريَّات الآخرين أو كما يُقال: "أنتَ حرٌ ما لم تضر." ولكن ما هي مُحددات هذا الضرر؟ مَن يحق له أن يرسم حدود هذه الحريَّات؟ هنا تكمن المُشكلة الأساسيَّة، وهنا يحصل الخلط لدى كثيرٍ من الناس، لأنَّ كل شخصٍ يُسيء فهم حدود الحريَّات بمعياره الشخصي، والمعيار الشخصي هنا ليس معيارًا فرديًا؛ بل قد يكون معيارًا لمجموعةٍ كاملةٍ من الأفراد، وقد يكون معيارًا لمنظومةٍ اجتماعيَّةٍ تُسمَّى العادات والتقاليد؛ فنجد البعض يقمع حريَّات الآخرين الشخصيَّة، لأنَّها تتعارض مع قيم المُجتمع، التي وُضعت أساسًا ضد الحريَّات الفرديَّة.
----------------------
لنشرح هذا الأمر أكثر؛ دعونا نأخذ ظاهرة اللويست (Lowest pants) أو قصَّات الشعر الغريبة، كقصَّة شعر المذيع السوداني الشاب محمَّد فتحي مثلًا أو ظاهرة ما يُسمَّى بالتشبه بالنساء، سواءُ في إطالة الشعر أو استخدام مساحيق التجميل، كما في قصَّة الشاب السوداني حامل الجنسيَّة الكنديَّة، والتي أثار ضجَّةً على مواقع التواصل الاجتماعي، وحتَّى ما يتعلَّق بلبس الفتيات، سواءٌ الملابس الضيقة أو لبس البنطال أو غيره، كل هذه الظواهر تدخل ضمن الحريَّات الشخصيَّة، التي لا يجوز لأحدٍ التدخل فيها. ورغم ذلك؛ فإنَّ الكثير منَّا قد يعترض على إحداها، بحجَّة أنَّها مُنافيةٌ للعادات والتقاليد التي تحكم المُجتمع، وقد يتحجج البعض بأنَّ مثل هذه الظواهر، هي تعدٍ على حقوق وحريَّات الآخرين، من حيث أنَّها تُسيء -بمنظرها المُستفز- إلى مشاعر البعض (وقد يكون هؤلاء البعض أغلب المُجتمع)، فيعتقد أنَّه يحق له قمع هذه الحريَّات، باعتبارها تعديًا على الحريات الأخرى، وإساءةً إلى المشاعر العامة أو حتى باعتبارها أحد مظاهر استغلال الحريَّات، والاقتراب من الفوضى.
----------------------
هنا تحديدًا يحدث الخلط، وهذا ما يجب أن ننتبه إليه، وما يجب أن نُغيّره في أنفسنا، فمشاعرنا الشخصيَّة ليست مُحددًا لحريَّات الآخرين أبدًا، حتى ولو كان الآخرون هم كل سُكَّان الكوكب. مُحددات الحريَّة هي (الاعتداء المُباشر على حريَّات وحقوق الآخرين) مما قد يتسبب عنَّه ضررٌ وأذىً حقيقي، فليس من حقي، ولا من حريتي أن أتجاوز إشارة المرور الحمراء، لأنَّ هذا الفعل يُهدد حياة الآخرين. وليس من حقي أو من حريتي أن أقود السيارة وأنا تحت تأثير الكحول، لأنَّ هذا يُهدد سلامة الآخرين الشخصيَّة، وليس من حقي أو من حريتي أنَّ أستمع إلى الموسيقى بصوت عالٍ، في الأوقات التي من المُفترض أنَّها مُخصصةٌ للراحة والنوم. وليس من حقي أو من حريتي أن أُدخن في مكانٍ مُغلقٍ في وجود أشخاصٍ آخرين. إنَّ المُحدد الوحيد للحريَّات هو الضرر الحقيقي (physical harm) أو التعدي على الممتلكات العامة والخاصة أو تهديد السلامة الشخصيَّة أو انتهاك الخصوصيَّات دون إذنٍ أو دون دواعٍ قانونيَّة أو قضائيَّة. فالقانون هو الذي يضع حدود هذه المُحددات، ولكن أي قانون؟
----------------------
في دولةٍ دينيَّةٍ -كالسودان- تتدخل فيها السلطة بسن قوانينٍ تُحدد معاييرًا خاصةً بالذوق العام، كاللبس، وقصَّات الشعر مثلًا، وتضع مُحدداتٍ للسلوك العام، هل يُمكننا الاعتراف بهذا القانون كمُحددٍ للحريَّات؟ بالتأكيد لا، لأنَّ هذه القوانين مُستندةٌ على منظومةٍ أخلاقيَّةٍ مُستمدةٍ من الدين، ولهذا فهي -بذلك- مُلزمةٌ لمن ينتمي إلى هذا الدين تحديدًا، بهذا الفهم تحديدًا، ولكنها غير مُلزمةٍ للآخرين. لذا فإنَّ الدولة العلمانيَّة لا تستمد تشريعاتها أبدًا من أي نصٍ ديني، وتُراعي فيها شموليَّة الحقوق الفرديَّة، بناءً على مبدأ المواطنة، وتترك للجميع حريَّة اختيار اللباس، وقصَّة الشعر، والسلوك العام؛ شريطة ألَّا يتعارض أي سلوكٍ مع الأمن العام، والذي -بالتأكيد- لا علاقة له بالمشاعر الذاتيَّة للأفراد والمُجموعات، أيًا كانت. فلا تُغلق المطاعم في رمضان مثلًا، حرصًا على مشاعر المُسلمين الذين يصومون في هذا الشهر، ولا تُغلق محلات الخمر، وصالات الرقص، حرصًا على مشاعر المُتدينين الذين يعتبرون الخمر والرقص حرامًا أو عملًا لاأخلاقيًا، ولا تُغلق دور عرض الأزياء، حرصًا على مشاعر الذين يرون الأزياء تشبهًا بالغرب أو انحلالًا أخلاقيًا، ولا تُغلق المساجد ودور العبادة حرصًا على مشاعر المُلحدين واللادينيين. إنَّ القانون لا يُراعي المشاعر (emotional harm).
----------------------
وعلى هذا فإنَّ الحريَّات وقوانينها لا تعتد أصلًا بمسألة المشاعر، ولكنها تهتم للضرر الحقيقي الذي قد يقع على الأفراد أو المجموعات. ولهذا؛ فإنَّ كثيرًا من الذين ينتقدون حريَّة التعبير مثلًا، على اعتبار أنَّ نقد الأديان، والسخريَّة منها لا تُعتبر جزءًا من الحريَّات، هم -في الحقيقة- يحتكمون إلى مشاعرهم الذاتيَّة والعاطفيَّة كمُحدد للحريَّات، ويعتمدون في ذلك على أنَّ نقد الأديان قد يشيع خطاب الكراهيَّة والعنصريَّة، وهو ما قد يُحدث بلبلةً في المُجتمع، ويُؤدي إلى العنف، والحقيقة أنَّ هذه البلبلة ليست نتيجةً للحريَّات؛ بل هي نتيجةٌ لانعدام الحريات أو لإساءة فهمنا للحريات، وهي كذلك نتيجةٌ للاحتكام إلى العاطفة، في مُحاولة التحكم في مُحددات الحريَّات. فالاستياء حقٌ مشروعٌ لكل شخصٍ، وفي الأساس لا يتوجب علينا أن نكون مُتشابهين ومُتفقين على كل شيءٍ، ولكن هذا الاستياء ليس مُبررًا للعنف. أنا مثلًا أستاء جدًا من ظاهرة اللويست، ومن ظاهرة ارتداء الرجال للأقراط، وأستاء جدًا من بعض قصَّات الشعر؛ بل وأستاء جدًا من فكرة المثليَّة الجنسيَّة. ولكن لا أسمح لاستيائي أبدًا أن يتجاوز حدودي الشخصيَّة، لأقوم بأي سلوكٍ ضد الآخرين الذين أستاء منهم، ولن أُطالبهم أبدًا باحترام مشاعري، التي تتضرَّر من رؤية شخصٍ يرتدي لويست مثلًا، هنا سيكون سلوكي تعديًا على حقوقهم وحريتهم، رغم أنَّ حريتهم تلك هي من تسببت في إيذاء مشاعري في المقام الأول.
----------------------
إنَّنا مُجتمعاتٌ مشغولةٌ ومنشغلةٌ بمراقبة الآخرين: ماذا يفعلون؟ ماذا يرتدون؟ ماذا يأكلون؟ ماذا يقولون؟ ويجب أن نتعلَّم ألَّا نتدخل فيما لا يتعلَّق بنا شخصيًا، فرؤيتنا لفتاةٍ ترتدي فستانًا ضيقًا، قد يكون مُبررًا لإثارتنا، ولكنه ليس مُبررًا للتحرش الجنسي، ورؤيتنا لشابٍ يرتدي لويست، قد يكون مُبررًا لاستيائنا، ولكنه ليس مُبررًا لاضطهاده أو التعدي الجسدي عليه، ورؤيتنا لمثلي الجنس، قد يكون مُبررًا لامتعاظنا أو اشمئزازنا، ولكنه ليس مُبررًا لقمع حريته أو اضطهاده أو التعدي الجسدي عليه، وسماعنا لرأيٍ لا يُعجبنا، قد يكون مُبررًا لاستيائنا وانزعاجنا، ولكنه ليس مُبررًا أبدًا لقمعه أو قتله أو التمييز ضده أو استخدام العنف ضده. علينا أن نُفرّق بين ما يخصنا وما يحق لنا، وبين ما لا يعنينا ولا ما لا يحق لنا. فكما أنَّ لبس الفتاة ليس مُبررًا للتحرش والاغتصاب، فنضع اللوم على الفتاة ولبسها، للتبرير لظاهرة التحرش والاغتصاب، فكذلك نقد الأديان ليس مُبررًا للعنف، حتى يُستخدم العنف المُتولد عن نقد الأديان ذريعةً لقمع حريَّة البعض في نقد الأديان. 
----------------------
لكي نفهم الحريَّات على النحو الصحيح، لا كما نُريد أن نفهمه أو كما نُريده أن يكون، يجب علينا أولًا أن نُوطّن أنفسنا على ألَّا نهتم بالآخرين. ألَّا نُراقب الناس، أن نكف عن رغبتنا في خلق مُجتمعٍ يتشابه فيه الأفراد في كل شيءٍ: في الأفكار، وفي المظهر، وفي السلوك. يجب أن نحترم اختلافنا، واحترام الأختلاف لا يعني بالضرورة أنَّنا نوافق عليه، ولكنه يعني فقط أن نحترم للآخرين أن يتخذوا قراراتٍ وأفكارٍ وسلوكٍ مٌختلفٍ عنا، ولا تتغير معاملتنا معهم بسبب هذا الاختلاف، مع احتفاظنا بحق الرفض لهذه القرارات والأفكار والسلوكيات. إنَّ كثيرًا منَّا لا يعرف من الحقوق والحريَّات إلَّا مُجرد القشور والشعارات فقط، ولكنه في المحك الحقيقي يُظهر مدى ابتعاده عن هذه الشعارات.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق