هشام آدم يكتب: قضية فلسطين



ترددتُ كثيرًا قبل الخوض في هذا الأمر، وإبداء الرأي فيه؛ رغم أنَّ رأيي قد لا يكون مُهمًا للكثيرين، ولا يجدر به أن يكون مُهمًا على الإطلاق، ولكن من باب حريَّة الرأي والتعبير، سأقول رأيي. 
--------------------------------
من الناحية المبدئيَّة فإذا كانت القضيَّة الفلسطينيَّة قضيَّة عربيَّة، فهي لا تعنيني في شيءٍ، لأنَّني لستُ عربيًا. وإذا كانت القضيَّة الفلسطينيَّة قضيَّةً إسلاميَّةً، فهي -أيضًا- لا تعنيني، لأنني لستُ مُسلمًا. وإذا كانت القضيَّة الفلسطينيَّة قضيَّةً إنسانيَّةً؛ فالإنسانيَّة لا تتجزأ، ولا تقبل المساومات الدينيَّة والقوميَّة. 
--------------------------------
من الناحية الإنسانيَّة؛ فإنَّ اليهود هم أصحاب الحق في الأماكن "المُقدسة" الموجودة في منطقة فلسطين؛ حتى بحسب النصوص الدينيَّة الإسلاميَّة نفسها: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِين * قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} والوجود التاريخي لليهود في هذه المنطقة، لا يُمكن إنكاره؛ فالقدس (أو أورشليم) هي مدينةٌ يهوديَّةٌ في الأصل، وبيت لحم مدينةٌ يهوديَّةٌ، والجليل مدينةٌ يهوديَّةٌ، والوجود اليهودي والمسيحي في هذه المناطق ثابتٌ تاريخيًا، وكذلك وفقًا للنصوص الدينيَّة اليهوديَّة والمسيحيَّة، بينما الوجود الإسلامي في هذه المنطقة جاء مُتأخرًا جدًا، وبالأساس فإنَّ الجيوش الإسلاميَّة العربيَّة، دخلت هذه المنطقة كمُحتل غازي. 
--------------------------------
هذا من ناحية؛ ومن ناحيةٍ أُخرى، فإنَّني لا أُبرر للانتهاكات الإسرائيليَّة بحق الشعب الفلسطيني أو العرب الموجودين في هذه المنطقة اليهوديَّة، لأنَّه وحتى أيام الإمبراطوريَّة العثمانيَّة لم تكن هنالك دولةٌ باسم فلسطين أساسًا، وأنا -بشكلٍ شخصيٍ- أعتبر النزاع والصراع الدائر بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كالنزاع والصراع الدائر بين الجنجويد العرب، وأهالي دارفور الأفارقة، فهو نزاعٌ داخليٌ بين سُكان منطقةٍ واحدةٍ ذوي عرقياتٍ وأديانٍ مُختلفة. هو صراعٌ لا يعنيني كسوداني، فمثله كأي صراعٍ يدور في أي منطقةٍ أُخرى من هذا العالم، أقف مُتعاطفًا فيه مع الاعتداءات، والقتل من الطرفين، فكما أتعاطف مع القتلى من الجانب الفلسطيني، كذلك أتعاطف مع القتلى من الجانب الإسرائيلي على نفس القدر. وكما أنَّه لا يعنيني إذا أعلن مسعود برزاني بغداد عاصمةً لإقليم كردستان العراق، سواءٌ بتأييدٍ أمريكي أو بدونه؛ فكذلك لا يعنيني إعلان دونالد ترامب القدس عاصمةً لإسرائيل، رغم أنَّها كانت -تاريخيًا- منطقةً يهوديَّةً في الأصل، ولا علاقة للمسلمين أو للعرب بها أبدًا.
--------------------------------
لقد تعوَّدنا من المُسلمين المظلوميَّة وادعاء الحق فما لا حق لهم فيه، تمامًا كبكائهم على ضياع الأندلس، رغم أنَّ الواقع يقول إنَّ دخول المُسلمين إلى إسبانيا ما هو إلَّا احتلالٌ، وطرد المُسلمين من إسبانيا لم يكن سوى مُقاومة مشروعةً لأصحاب الأرض، استطاعوا من خلالها استرداد بلادهم، ورغم ذلك نجد أنَّ المُسلمين يعتبرون الأندلس مقاطعةً إسلاميَّة مُحتلة. إنَّ علاقة المُسلمين بالقدس مُرتبطةٌ بقصَّةٍ خرافيَّةٍ تتناول ذهاب محمَّد (بطريقةٍ سحريَّةٍ) إلى القدس، والصلاة فيها بالأنبياء الذين ماتوا قبل آلاف السنين، وربط حيوان البراق الخرافي على أحد جدران المسجد. فأن يدعي شخصٌ الحق في شيءٍ ما بحجَّة خرافيَّة كهذه، لهو أمرٌ يدعو للسخرية فعلًا، رغم أنَّ الوجود اليهودي قائمٌ على آثار تاريخيَّة، وليس مُجرَّد قصص خرافيَّة. الوجود الإسلامي في القدس هو وجود احتلال، وليس كوجود صاحب حق أبدًا.


الإبتساماتإخفاء