عبد الله تيورات يكتب: رحيل ضوء الفجر



أطل وجه الفجر مبتسما يخترق ضوءه الوهاج ظلاما حالكا خلفه الليل ورحل يعرج إلى مستقر آخر... هذه من المرات القليلة التي أستيقظت فيها مع رحيله، فهو عادة يرحل قبل أن آتي إلى الشرفة.

كان الجو باردا جدا على شرفتي، وكذلك كان على باقي شرفات المدينة، غير أن شرفتي كانت أكثر بردا وسلاما .
شعرت بالبرد الشديد وأنا واقف هناك أتأمل المدينة ،شعرت.  بالعطش أيضا. 

في الحلم، على خلاف الواقع، لا يمكنك أن تتحكم في مصير أحلامك، لذلك يتحول بعضها إلى كوابيس، ولذلك أيضا يموت بعض الناس أثناء سعيهم لتحقيق أحلامهم... يقال أن نهاية كل حلم، كابوس مزعج . وبعض الأحلام تطول حتى تتشكل الكوابيس في رحم الليل، فيتكون جنين من الكوابيس المشوهة، ويصعب إخراجه أو الخروج منه.

رأيت في ما يرى النائم رجلين ،أحدهما برأسين والآخر قطع رأسه مع عنقه، أو تم اجثتاته كما بدا لي، وتركت حفرة واسعة بين كتفيه تضخ بركانا من الدماء وكأنه بركان هائج.

توالت الرؤى وتكاثر الناس من حولي ،برؤوس وبدون رؤوس، وكلهم يصرخون فزعا وخوفا من بعضهم. بين من كانت رؤوسهم مبثورة امرأة عجوز دميمة الخلقة ورجل طويل القامة يجر خلفه كيس قمح به جثة، لعله أحد أطفاله، وآخر قصير يضرب رأسه الغليظ عرضا الحائط بعد أن أفقده المشهد عقله.
دخل الجميع كنف هيستريا مرعبة لم أشهد لها نظيرا من قبل. أما أنا فكنت أشاهدهم من بعيد وصرخاتهم تعلو وتدفن بعضها البعض في قبر صرخات أكبر.. ظللت مختبأ أطل من خلف جدار قصير بجانب منزل مهجور، هوى نصفه وارتكم حوله.. إنه النصف الذي اختبأت خلفه بالذات.

اقتلعت الرؤوس من بعض الأجساد وألصقت بأخرى، كلهم مشوهون، إما أن يكونوا برأسين أو بدون رأس. شعرت بخوف شديد وأنا أحشر وجهي بين كفي الباردتين من حين لآخر وأتحسس ملامحي حتى أتأكد من أنها سليمة... ربما أنا الوحيد الذي بقي شكله على حاله في المدينة. 

لم أبرح مكاني، بقيت نائما على سريري خلف ذلك الجدار أراقبهم يعبرون المدينة ويطاؤون السيارات بأقدامهم الحافية وأيديهم الملطخة بوحل من الدماء، بشر وما هم ببشر، بعضهم يمشي على أربع وبعضهم على اثنتين، أما أنا فكنت مشلولا وغير قادر على الحركة. باغتني صوت مرتفع وأجش، بدا وكأن صاحبه ابتلع حجرا قبل أن يلوك كلامه، تلعثم من ورائي وقال" ابتعد عن بيتي أيها الحقير.. "

 ارتجفت لوقع صوته على مسامعي، خائفا وقفت لكي أبتعد، فسقطت من السرير واستيقضت. هرعت مباشرة إلى الحمام أتفقد وجهي على المرأة المثبتة على الحائط... فصرخت وأنفاسي تقاطع بعضها  " لا أشبههم، لا أشبههم"  وأيقنت أنني كنت أحلم فقط. ضاع مني فجر آخر ورحل قبل أن أستيقظ.

ياليت دوي الرؤوس المقطوعة أشخاص حقيقين، على الأقل كنت سأرى الفجر قبل أن يرحل كعادته.


1 commentaires:

صديقي العزيز كتاباتك الجميلة دائمة الحضور و ستظل متالقا كما اعرفك ويوما ما ستغدوا كاتبا و ساذكرك بذالك


الإبتساماتإخفاء