حوار فكرِي متميز مع الباحث "محمود العكري"


حاوره: محمد مشبال


- بداية، بماذا تحب أن يناديك الآخر؟

اسمي يُعتبر رمزًا له دلالة القداسة عند عائلتي الصغيرة، لذلك أعتز جدا بأن تُناديني "محمود".



- من هو محمود العكري، المرجو أن تقربنا من شخصك ليكون بالضبط تحت المجهر ليعرف الجمهور من يكون؟



هو خلاصة وعصارة في نفس الآن لتجارب عديدة منها ما هو مبهج ولكن أغلبها مأساوي للغاية، وهذه التجارب هي التي كونت هذه الشخصية التي أنا عليها اليوم، كما يمكنني أن أضيف بأن حياة الفرد ما هي سوى محطة من محطات حياتية عديدة، نأتي لكي نغادر ويحل محلنا جيل جديد بعقليات جديدة.

فأنا أنا في صيغة كل ما هو موجود، أنا ينشد السلام والآخر يرى الظلام، أنا قيامة موت وأسطورة بقاء.. لكن من يكون أنا في الحقيقة؟ لست أدري ولا أظن أني قادر على معرفة ذلك.


- من المعروف بأن الإنسان وخاصة المفكر والسّاعي لأن يكون مفكرًا نبيهًا يعيش مراحل انتقالية، هل تريد أن تخبرنا بأنك مررت بتجارب صعبة ومرهقة، وهل لك أن تشرح لنا بعض من معاناتك مع هذه المراحل الانتقالية؟


في حقيقة الأمر لا يعنيني إطلاقا أن يعرف الآخرون أنني مررت من تجارب قاسية بل ومأساوية أيضا، فأنا الوحيد المسؤول عن ذلك كما أنني المعني بهذا الأمر.

يكفي أن ترى وأنت في قمة نشوتك داخل البار أطفالا صغارا يبيعون الورود لقلوب ميتة لكي تكون أكبر تعيس داخل هذا الوطن، يكفي أيضا أن تشاهد نساء يتسابقون على قطعة خبز لينتهي الأمر بخمسة عشر منهن بين عداد الموتى، ويكفي أن تشاهد فقط بتمعن وحس يقظ لتفهم حجم هذه المزبلة التي نعيش داخلها.
أما على المستوى الشخصي، فلا يهمني كما ذكرت أن يعرف الآخر أنني مررت بتجارب مؤلمة، ذلك أنني الوحيد الذي عشتها وتعايشت معها ولن يفهمها أي شخص آخر.


- نريد أن نعرف عن حياتك الفكرية، إذن كيف كانت حياتك قبل أن تدخل إلى معركتها؟ وماذا خسرت وماذا كسبت في حربك الفكرية هاته؟


بحكم أنني كبرت داخل قرية صغيرة هناك في أعالي الجبال، كانت طفولتي محكومة بالمرور من أول التجارب ألا وهي تجربة التعلم داخل المسجد عند الفقيه، بعدها انتقلت للمدرسة الإبتدائية ثم الثانية وأخيرا الإنتهاء إلى المرحلة الجامعية.

حين كنا ندرس عند فقيه القرية آنذاك، كان يُعتبر بمثابة العالم بأمور الدنيا والدين وكلمته لا تسقط للأرض، في كل حصة كنا نأخذ له ما تيسر من (البيض والخبز والبغرير والملاوي...).
في المدرسة الإبتدائية تم تعليمنا بطريقة مختلفة، حيث انتقلنا من مفهوم الفقيه العالِم إلى المُعلم الإله، ومورسِت في حقنا أشياء بشعة للغاية، يكفي أن أذكر منها أن تم (ضربي بعصا الزيتون في يوم ماطر على مؤخرتي).
وهذه الأمور استمرت إلى أن أخذت شهادة البكالوريا سنة 2010.
بعدها ذهبت مباشرة للجامعة واخترت أن أكمل هناك دراستي بشعبة الفلسفة، وفي تلك المحطة بالذات، بدأت الأسئلة تداهمني من كل جانب، ومن أهمها: -إنّ الفقيه الذي أوصاه الله في القرآن أن يعلم الحب للآخرين كان في الحقيقة يلقنهم شيء آخر وهو العنف القاسي ثم بيع كلمات الله بما قد يسد جوعه.
أما بالنسبة للسؤال المتعلق بالجزء الثاني فأقول أنني فقدت كل شيء في حياتي لكني لم أفقد حياتي لحد الآن وهذا أهم شيء بالنسبة لي.. لقد ربحت هذه الذات التي لا تدري إلا أنها داخل حرب كبيرة لا ملاذ آمن منها سوى تلك الذات نفسها، أي ذاتي.


- كما هو معروف عنك وسط العالم الأزرق أنك جريئ في كتاباتك، وتتمرد على كل المحضورات الأخلاقية والاجتماعية والدينية.. فلماذا يا ترى اتخذت ذاك الأسلوب من الكتابة؟


"داخل كل إنسان عوالم كثيرة ومتعددة يكاد يستحيل معرفتها والإلمام بها" وهكذا أعتبر نفسي دائما، أي عالم لا يمكن أبدا الإحاطة به وهنا يأتي الدور الذي تلعبه الكتابة -على الأقل بالنسبة لي- فهي اختراق لهذا العالم الذي قلت عنه، ونظرا لأن ذلك العالم مليءٌ بالقذارة، فيجب أن نتخلص منها بلغتها لا بلغة المجتمع المُقَوْنَنْ، هكذا تغذو الكتابة فعل مقاومة من ناحية ومن ناحية أخرى تصبح استراتيجية لهدم واختراق كلّ التابوهات.



- الخروج عن السائد والتحرر والتمرد عليه، كل هذا بحدّ ذاته انتحار وأمر شبه مستحيل وخصوصا أننا مجتمعات تعيش على قارعة الماضي السحيق وتعمل على محاربة ورجم كل من خرج عن قالبها.. ألا ترى بأن هذا سيؤذيك ويسبب في محاربتك شخصا وفكرًا، وهل أنت لك نفس لتقاوم كل هذا؟


لقد تم تكفيري وشتمي ووصلتني تهديدات بالقتل من مصادر مجهولة على شبكات التواصل الإجتماعي، صحيح أنّ في هذا الأمر خطورة عليّ، ولكنني في نفس الآن مصر على قول كلّ ما يبدو لي حقيقة، وأقول أنه فقط يبدو لي، أي من الراجح أن لا يكون كذلك.. ثم إنني شخص لديه مناعة لامبالاة رهيبة جدا ولا يمكن زعزعتها بالهرطقات التافهة، في نظري تلك مجرد ردود أفعال عادية جدا بحكم التربية التي كبر عليها معظمنا، فهناك من خرج من الوحل وهناك من يحاول ،لكن هناك من غرس نفسه كشجرة ثابتة في مكانها، لهذا فأنا لست مهتما بما يقال حولي ما دمت مؤمنا بأن لي رسالة داخل هذا العالم ويجب إيصالها لكل من ينتظر ربما مثل هذه الأفكار الجديدة.



- كما هو معلوم أن بحثك الجامعي كان عن الفيلسوف الألماني "نيتشه"، لماذا يا ترى اخترته بالضبط، وما الشيء المميز الذي ألهمك لتتخذ منه مشروعك الجامعي؟


سبق للفيلسوف الألماني كانط أن قال بأن هيوم قد أنقذه من سباته العميق، وهذا القول ينطبق عليّ أيضا مع التأكيد على أنني لست فيلسوفا ولا حتى مفكرا أو شيئا آخر من قبل هذه التسميات، إني أعتبرها مجرد ألقاب للتزيين لا غير.

نيتشه أحيا داخلي ذلك الطفل الذي كان كثير الأسئلة غير مقتنع بالركون لأي جواب مطلق، لقد علمني الكثير وأنا مدين له بالكثير، لطالما اعتبرته ذلك المنقذ الذي انتشلني من مزبلة مليئة بالمفاهيم التي لطالما اعتُبرت "حقيقة" في تاريخ الفلسفة، كما أنه مشروع أشتغل عليه منذ مدة ولم أنتهي منه بعد، وربما ستشهد المكتبة المغربية في السنوات القادمة بحثا جديدا مغايرا تماما وليس له أي وجود داخل كل المكتبات العربية حول فلسفة نيتشه عاملا على تقديمه بطريقة مختلفة تماما للقارئ العربي والغربي أيضا، مستخدما أسلحته هو والتي يؤكد فيها أن نيتشه ليس تيارا ولا مذهبا أو مدرسة، لكنه تجربة يجب أن تعاش لتكتسي مفاهيمها وتخترع قيمها التي تساير الزمن الذي توجد فيه.

- كتبت في إحدى مقالاتك عن اليوم العالمي للفلسفة، فيه توضح كيف تم التلاعب واحتكار الفلسفة وبأن ما يروج اليوم سوى منهج أكاديمي لا غير.. الفلسفة من منطلقك الشخصي ما هي؟ وكيف تعرف لنا الفلسفة؟


كنت قد أشرت سابقا بأن الفلسفة هي ما ليس لنا الحق أبدًا في تعرفيها ووضعها داخل إطار معين بحد ذاته، وهذا ما لاحظناه في تاريخ الفلسفة بأكمله، حيث لا يمكننا أبدا أن نقول بتعريف واحد، والسبب أن لكل فيلسوف تصور خاص به للفلسفة، أما بالنسبة لي فهي "الجمال الوحيد المُتبقي داخل هذا العالم المدمر عن آخره".

أما فيما يخص الأيام العالمية، فأنا كنت ولا زلت ضدها لليوم، لأنها أيام تسويقية لا غير وتهدف لتقديم صورة يبدو وأنها توضح الإهتمام الذي يمنحه العالم لمثل هذه الأشياء، بيد أن الحقيقة شيء آخر، فكيف يمكننا أن نقول بيوم عالمي للفلسفة في حضور كلّ هذا الدمار والقتل والدم الذي يسود نفس المنظمات التي تتبنى هذه الأيام؟ هذا في نظري تنقيص من قيمة الفلسفة، لأن القائمين على مثل هذه الأيام العالمية هم مجرد أشخاص يحاولون إبراز تجارتهم بأفضل صورة.
أتخيل مثلا دولوز وهو بيننا اليوم، أتخيل جوابه على سؤال كهذا: ما رأيك في اليوم العالمي للفلسفة؟


- كيف ترى الفلسفة اليوم؟ وهل يوجد فلاسفة صعداء بحق، أم أن أغلبهم مقلدون ويُأولون أفكار السابقين؟


أعتقد أن هناك خلط كبير يقع لنا بين الفلسفة والفلاسفة، صحيح، هناك تداخل بشكل من الأشكال، لكنه ليس تداخلا موضوعيا، ولهذا السبب بالضبط، نجد عديدا من الفلاسفة قد تم إقصائهم من المشهد الفكري داخل أوطاننا العربية وذلك بشكل مقصود طبعا، وهنا فنحن لا نتعامل إلا مع نوع واحد من التفكير، وأقصد التفكير الذي يريدون لنا سادة القرار أن نفكر تحته.

كيف أرى الفلسفة اليوم؟ قد أكون متشائما بعض الشيء وأقول بكل واقعية أن الفلسفة تشهد إنحطاطا كبيرا للغاية، ولعلها تستعد في نفس الآن لإقامة صلاة الجنازة على نفسها.
بالنسبة للشق الثاني من السؤال والمتعلق بالفلاسفة، أظن أنه ليس هناك أي فكر أصيل، وتاريخ الفلسفة كله تاريخ صراع وحرب تأويلات لا غير، لعل هذا هو الدرس الذي يجب أن نتعلمه اليوم، وأقصد أن مجال الفلسفة ليس مجالا لليقينيات وتشييد إمبراطوريات الحقيقة، بل على العكس تماما، يجب أن نتعامل مع الحقائق لا كحقائق بل كنماذج معينة لها سلطة تاريخية على الواقع، مع الإيمان العميق بأن الفلسفة لا تسعى لبث الحلول، لكنها تسعى لزعزعة إستقرار الأفكار، وهي بذلك تمارس نوعا من القلق المحمود، وهذا دورها في رأيي.


- ماذا تقول للصّاعدين الذين يهوون الفلسفة والتفكير، من نصائح وارشادات؟


لست في موقع يخول لي بإعطاء النصائح والإرشادات، دعنا نكون أصدقاء جيدين للفلسفة والتفكير الفلسفي المبني على النقد الشامل الذي لا يزيح من أمامه أية بديهيات.



- أين يرى محمود العكري نفسه من هذا النقاش الذي دار معه؟ وهل تعتبر نفسك رائدا يحمل هما ورسالة وجب عليه إيصالها؟


أرى نفسي في حلم جميل من تلك الأحلام المرعبة التي أعيش رفقتها كل اللحظات، لقد قالوا لي حين كنت صغيرا أننا طفل مُبارك، وأن اسمي لم يأتي عبثا، ومنذ اللحظة التي وعيت فيها، بدأ خوض غمار هذه التجربة الحياتية المليئة بالغرابة، لا أعتبر نفسي رائدا ولا يهمني أن أكون نموذجا أو مثالا يحتذى به، لكنني أحمل رسالة وعلي إيصالها في يوم من الأيام، ربما لم يحن الوقت بعد، لكنني عازم على إيصال هذه الرسالة للعالم كله، لقد قال لي جدي حين كنت صغيرا: "اذهب يا بني دون خوف فأنت طفل مبارك، ومعنى مبارك أن هناك الكثيرون في انتظارك".


- آخر كلمة باسم دعوة للتفكير؟



دعوة مليئة بالحب محتاجة للثقة والدعم، دعوة للتسماح والسلام، أتمنى رؤيتها في يوم من الأيام داخل هذا المشهد الفكري العالمي الكبير.


بعض من مقتبسات محمود العكري:


- من السخيف حقا أن ندعي أننا في هذه الأرض لحماية الله/الله القوي/الجبار/الواحد.. تدعي دودة الأرض حمايته؟!


- إننا نحتفل بصور وأقوال المنتفضين والثوار؛ ذلك أننا نرى صورتنا الجبانة داخل روحهم القوية!

- واهمٌ من ظنّ أن كثرة القراءة تزيد في تحصيل المعرفة؛ لقد اكتشفت العكس مؤخرا؛ إذ أن كثرة القراءة تعلمك بالأساس كيف تصمت!

- لماذا سيعذبني الله وشربُ النبيذ يجعلني دائما مستعدا لقول الحقيقة!
أليست الحقيقة ما يريدها الله؟


الإبتساماتإخفاء