ياسين بوتوقة يكتب: هرم إيمدغاسن ضريح الملوك النوميديين.. بصمة في تاريخ الإنسانية وإبداع في فلسفة الأهرام عبر العصور



شيد في القرن الرابع قبل الميلاد على شرف الملك مدغاس أحد أقدم أسلاف القبائل البربرية، يتخلل قسمه السفلي 60 عمودا دوريا وثلاثة أبواب وهمية، يعلوه قسم ذو درجات مخروطي الشكل. عصر بدايات حكم البطالمة في مصر والسلوقيين في الشرق الأوسط وبلاد ما وراء النهر من جهة والحروب البونية آنذاك في بداية مراحلها بين الجمهورية الرومانية الآخذة في التوسع والمملكة القرطاجية من جهة أخرى.
فهو بشكله المخروطي وقاعدته الأسطوانية استمد أصوله المعمارية من المباني البربرية القديمة، ليعكس ثقافة شعب تقبل شتى الثقافات، لكن أبى إلا أن يضع بصمته الخاصة، وهو ما يوحى للناظر المتأمل سواء كان مختصا أو فضوليا من العامة. فرغم تقارب الشعوب والثقافات لحد ما بين جيرانهم المصريين والقرطاجيين بالأخص، إلا أن النوميديين القدامى أبو إلا أن يتميزوا عن سائر الحضارات المحيطة بهم، فرغم تأثرهم بمعارفها وعاداتها لكنهم جسدوا ثقافتهم ومفاهيمهم المحلية الخاصة في هندسة أضرحتهم الملكية، وهو ما يؤكد عمق معتقداتهم الخاصة وتفردهم بعلومهم ومعارفهم القديمة، لاسيما فيما يتعلق بمراسيم الدفن في المغرب القديم، رغم عدم توفر ذلك الكم من المعلومات والمصادر القديمة لاسيما حول هذا المعلم إلا ما تيسر منها وجلها يكتنفها الغموض واللاموضوعية في السرد، إذ لا يعقل أن هندسة معقدة فريدة من نوعها تميزها لحد بعيد عن باقي الحضارات القديمة إلا في جوانب معينة منها ألا يكون لهم طقوس خاصة بالدفن أو حتى أسلوب خاص للتحنيط؟ والأبعد من ذلك ربما كان الضريح الهرمي هذا أكثر من ذلك كونه ضريحا ومرصدا فلكيا في آن معا ليوازي بذلك نجوما معينة قدسها النوميديون قديما على غرار الأهرام المصرية في الجيزة، أو يشير في موقعه على تراصف فلكي حصل في قبة السماء كالاعتدال الربيعي أو الانقلاب الصيفي كما هو الحال لدى أهرام المايا في تشيشن إيدزا وبالينكي وهرم الشمس في تيوتيهواكان في أمريكا الوسطى قرب نيو مكسيكو، التي قد تدل على عمق معرفتهم بالزمن المتعاقب آنذاك وهو ما يحتاج لدراسات وبحوث مكثفة لمختصين في مجالات متعددة.
وبالنظر لأهرامات الصين الترابية الضخمة التي تعود للسلالات الحاكمة كأسرة تشوين وأسرة هان وكذا أسرة شيشيا وكذا أهرامات الفراعنة بأنواعها، والمتناثرة في عصبة السلام على طول نهر النيل وأهرام المايا والآزتك في أمريكا الوسطى وحتى أهرامات كارال في صحراء البيرو وأهرام ميروي في السودان، فالضريح الهرمي إيمدغاسن لهو واحد من الأهرام التي بلا شك تشكل في زمننا الحاضر أبرز مثال يضاف لمسرح المعالم الأثرية العالمية، باعتباره مثالا آخرا على تنوع فلسفة الأضرحة في التاريخ القديم. وعندما نشاهد الضريح الملكي الموريطاني في تيبازة يمثل بحذ ذاته دليلا قاطعا على وحدة المعارف واتساعها عند النوميديين عبر العصور، إذ يعكس وجود مفهوم خاص ورؤية أخرى سواء فيما يخص معتقداتهم في الحياة ما بعد الموت أوحتى في كيفية الدفن. وحدث أن قام الملك النوميدي يوبا الثاني بتشييد هذا الضريح على شرف زوجته الملكة كليوباترا سيليني عام 6 للميلاد، وهي ابنة كليوباترا البطلمية من أنطونيوس كان قد زوجه إياها الإمبراطور الروماني أوكتافيوس عام 20 ق.م لقاء ولائه وخدماته للإمبراطورية الرومانية.
وقد تثبت الأبحاث والتنقيبات في المستقبل طرق تحنيط خاصة بهذه الحضارة تكون نابعة من معتقداتهم ومعارفهم، مما قد تغير تلك النظرة التقليدية السائدة عن علم التحنيط بطبيعته المصرية أو حتى البيروفية، كما سبق وأثبتت ذلك اكتشافات في ليبيا لمومياء عرفت بالمومياء السوداء أو مومياء "وان موهى جاج" والتي يقال أنها تعود لأكثر من 5500 عام أي 1500 سنة قبل ان يحنط المصريين أول فراعنتهم؟ وهي مومياء لطفل عمره سنتين ونصف كان يعيش مع عائلته في جبال اكاكوس في ليبيا حاليا وتم تحنيطه لإيمانهم بعودة الحياة لكل شخص يموت صغيرا من رحم الأرض. ومن جهة أخرى نرى أن المومياوات اليمنية المكتشفة حديثا هي الأخرى توسع هذا المفهوم أكثر وتشعب طرقه وتؤكد إمكانية قيام حضارات عظيمة كانت لتضاهي قوة الحضارة المصرية وحضارات بلاد الرافدين في الشرق الأدنى القديم والحضارات ما قبل الكولومبية في الأمريكيتين في شتى أماكن العالم حتى النائية منها على غرار حضارة الإنكا فما بالك بأرض الأمازيغ الكبرى في الشمال الإفريقي.
وما يلاحظ أن الهرم يحتوي على ثلاثة أبواب وهمية وهي التي كان لها معنى رمزي في الحضارة المصرية القديمة، فلطالما استعملت مثل هاته الأبواب في الحقب الزمنية للأسرات الفرعونية الأولى في صحراء آبيدوس قبل أن تتطور لتصبح ممرات حقيقية سفلية موغلة في العمق كمتاهات هرم جوسر في سقارة الذي كان قد شيده إمحوتب الكاهن والطبيب والمهندس الأول للأهرام، وكذا النفق السفلي الطويل في قبر الفرعون ستي الأول والد رمسيس الثاني في واد الملوك، التي دلت حسب العلماء على خروج الروح ومرورها من الباب الوهمي نحو السماء حتى تتربع مكانها مع النجوم، وهو ربما نفس المدلول في ضريح إيمدغاسن، فكما هو معروف تتشابه الثقافة المصرية والأمازيغية في عدة أشياء؛ فقد اشتركا مثلا في عبادة آمون الذي كان أهم الآلهة لدى الأمازيغ القدامى أيضا، كما نجد أن اللغة الليبية القديمة مرتبطة ارتباطا وثيقا باللغة المصرية القديمة، فكلاهما ينسب إلى ما يسمى اليوم باللغات الحامية على نقيض اللغات السامية كما هو الشأن بين اللغة العربية والفينيقية، بل إن أوريك بايتس يرى أن العبادة المشتركة بين الأمازيغ والمصريين هي أكثر ارتباطا من ارتباط العقائد السامية ببعضها.
والأبواب الوهمية الأربع في الضريح الهرمي في تيبازة لدليل صارخ على استمرار هذه الثقافة حتى عندما كانت نوميديا تحت النفوذ الروماني، فرغم ما عرف عن الملك يوبا الثاني من ولعه بالثقافة الإغريقية واللاتينية، لكن هندسة الضريح الشبيهة بضريح إيمدغاسن تظهر بجلاء روح القومية البربرية و ميزتهم الحضارية، وتظهر لحد ما الاعتقاد السائد عند الإنسان النوميدي للحياة ما بعد الموت وفلسفة العبور للحياة الأخرى خاصة إذا ما تم فك الرموز التصويرية في بهو الأسد مثلا، فرغم تشييده على شرف ابنة كليوباترا البطلمية لكنه بني بشكل دائري مماثل لضريح إيمدغاسن خلافا لماهي عليه الأهرامات في مصر من تصاميم ونحوها، ليوضح مجددا الطابع الحضاري الخاص بالنوميد في ذلك العص. ولاتزال كيفية إنشاءه ورفع حجارته لعلو 32.40 مترا وكذا مكان جلب الحجارة لغزا محيرا، ومن جهة أخرى إن أوجه الاختلاف بين الضريحين النوميديين يعطينا نظرة عن تطور تقنية بناء هذه الأضرحة الهرمية عبر الزمن شأنها شأن الحضارة المصرية في تحولها من تقنية أهرام سقارة المدرجة مرورا بشكل هرم دهشور للملك سنفرو من الأسرة المصرية الرابعة وهو والد خوفو، كتقنية هندسية جديدة مهدت للوصول لتقنية بناء أهرام الجيزة المعروفة.
فضريح إيمدغاسن إذن وقرينه في تيبازة يعدان دليلا حضاريا في هذه الرقعة، وتجعلنا نذهب بخيالنا المنطقي بعيدا لنتصور كيف كان عليه المغرب القديم ومدى التقدم الفكري والعلمي وازدهار الفن المعماري لديهم، ومدى المستوى الحضاري المرموق الذي بلغوه في ذلك الحين، فهذه الحضارة لاتزال تتطلب اهتماما أكبر وبحوثا معمقة ودراسات ميدانية حتى نتمكن من صبر أغوارها ولو نسبيا.
وفي الأخير لانملك إلا أن نقول أن مثل هاته المعالم تعد دليلا على بروز النوميد ذات يوم في هذه المنطقة كقوة يحسب لها ألف حساب، ولعلنا لم نخطئ إذا قلنا أنها كانت عنصرا مهما وفاعلا في الأحداث السياسية الدولية آنذاك مثلما جاء في كتابات سالوستيوس، لكن وللأسف مثل هذه الأحداث لم تأخذ لحد الآن مكانها الذي تستحقه من التقدير، والأحداث البارزة منها لم تسلم من براثن النسيان واللامبالاة والإهمال كغيرها من المعالم والأضرحة والصروح النوميدية المتبقية، كأنها شيئا من الحجارة لا تضاهي غيرها من الحضارات المعاصرة لها رغم الاكتشافات الدائمة سواء العفوية الغير متعمدة أو البعثات الأثرية المبرمجة التي لاتزال معثوراتها تشكل قرائن على أهمية هذه الحضارة وتوحي بمدى ازدهارها الذي بقي أثره اليوم غائبا مغيبا من على واجهة ديكور الإرث الإنساني.

عن Mohamed Mechbal

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

1 commentaires: