محمود العكري يكتب: قبعة الرجل المثقف/العادي



مؤخرا صرت أقوم بأشياء غريبة للغاية، أو لنقل أنها أشياء خارجة عن أفق ذلك الشخص الذي كنت أطمح دائما لتكوينه (الرجل المثقف).

اليوم مثلا دخلت على شخص في الفيسبوك له برنامج يديره يقوم فيه بالتشجيع على الزواج ويعرض المواصفات التي يريدها كل من الرجل أو المرأة من شريكهما، ولحسن الحظ استضافني وتحدثت معه وحكيت له عن قصتي وأنني أريد الزواج أيضا... 

لربما هي فكرة تافهة بالنسبة لذلك (الرجل المثقف)، وهذا ما حاول ذلك الجانب إقناعي به بعد أن أنهيت حواري معه، صارخا في وجهي: ما الذي قمت به بحق الجحيم؟ 

ثم راودتني بعدها مباشرة فكرة مغايرة تمامًا، تكمن بالأساس في ضرب هذا (الرجل المثقف) عرض الحائط، ذلك أنه يحمل صورة تنتمي لنمط فئة مجتمعية أخرى موجودة، وبالتالي فهو لا يحمل أي استثناء سوى نظرته لنفسه بأنه متميز عن الآخر. 

إن الهدف من اقتحام مجالس (هذه الأشياء التي يقول عنها المثقفون بأنها تافهة) أساسا اختراق للذات وللتصالح معها، وذلك عن طريق تمرين الإنفلات من قبضة (النمط) الذي وضعت فيه نفسي. 

في الحقيقة، كلّ من المثقف والآخر غير المثقف، منضمان بشكل كبير لإنتماء ما، فالمثقف يختفي تحت رايات العقل وبالتالي رفقة أصحاب القبعات، وأيضا غير المثقف له مظلات يختبأ خلفها. 

فأن تكون مثقفا أو لا تكون، هذا يعني بالضرورة أن تصبح صورة من نمط حياة أولائك الذين هم في نفس الدرب، وهكذا يكون خلق صورة مفاجأة عنوان لتمييز ذاتك عن كل ما هو موجود حولك، فلا أنت تريد أن تحمل صورة المثقف كما أنك لا تريد أن تحمل صورة الإنسان العادي. 

والنتيجة هي إزالة وقتل طابو (صورة المثقف) التي كونتها عن نفسي عن طريق القيام بأشياء لا يقوم بها المثقفون عادة، وكل هذا من أجل الإرتماء في حضن بريء لا يحمل أي اسم أو لقب معين. 

إن المأزق الكبير الذي أعيش فيه كل يوم هو هذا: إما أن أكون هكذا (مثقف) فأفعل فقط ما يفعله أولائك الذين هم هكذا أو أن أكون هكذا (عادي) فأفعل ما يقوم به هؤلاء فقط؟ 

ليس حلا بالنسبة لي شخصيا أن أخرج من قطيع (المثقف) لأنضم إلى قطيع آخر أو العكس، ذلك أنه يحمل نفس الدلالة وهي الخروج من قطيع للإنضمام إلى قطيع آخر، وإنما الحل هو أن أستطيع التعبير عن ذاتي إنطلاقا مني أنا، أي انطلاقا مما أراه خروجا عن كلاهما، وبالتالي العودة لبراءة الطفولة. 

لعلّ أهم شيء أواجهه اليوم بشكل قوي وصارم هو أن أقوم بحذف وإزالة طابو صورة الإنسان المثقف الذي رميت بنفسي داخله دون دراية مني، وبالتالي المصالحة تكون عبر الفضول الذي يجعلك تقوم بأشياء تنتمي لك وحدك، لقراراتك فقط، لا تنتمي لا لهذا ولا لذاك.

عن دعوة للتفكير

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 commentaires:

إرسال تعليق